دينا عبد الفتاح تكتب: «إنبوكس» و«أوفر برايس» وأشياء أخرى!

0

الألغام يجب إزالتها قبل العبور في ممرات الإصلاح الاقتصادي بحضور القواعد المنظمة وانتصار المصلحة العامة على الخاصة وكسر المواقف التي تصبح فيها الظواهر السلبية «شطارة» وفزّاعة للمجتمع

ينبغي على الشركات المنتجة العمل على إعادة ضبط عملياتها التجارية والتشغيلية بما يتلاءم مع الأوضاع الحالية ومراقبة تحركات منتجاتها لضمان السعر وعدالة التوزيع

نحتاج لأفق اقتصادي متكامل يستوعب تجربتنا وممارستنا على الأرض جنبًا إلى جنب مع برنامج الإصلاح الاقتصادي.. فالأسواق هي الحكم في تقييم السياسات والمسرح الذي يُظهر جودة السيناريو والإخراج

لا شك أننا وصلنا لمرحلة توازن اقتصادي  يمكن البناء عليها للمستقبل، بعد فترة صعبة مررنا بها نتيجة الاضطرابات العالمية العنيفة وتأثيراتها السلبية في السوق المحلية، والتي انتهت بشكل كبير مؤخرًا بفضل مجهودات القيادة السياسية والحكومة، وبالتأكيد بدافع صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، ثم الاتفاقات مع صندوق النقد والبنك الدوليين والاتحاد الأوروبى والعديد من شركاء التنمية، والتي شكلت حصيلة دولارية قياسية مكنت الدولة من توحيد سعر الصرف والقضاء على السوق السوداء، وأيضًا توفير العملة الصعبة للمستوردين والإفراج الجمركي المتتابع للكثير من البضائع والسلع.

ونتيجة هذه التحركات، بدأت أسعار السلع تستقر إلى حد كبير، وبعضها انخفض بشكل مناسب، “وإن كان المطلوب انخفاضًا قياسيًّا في العديد منها»، خاصة أن هناك العديد من السلع قد شهدت ارتفاعات جنونية خلال الشهور الماضية تخطت المنطق والأزمة وكل شىء، وحَكَمتها الأهواء والطمع وممارسات احتكارية عنيفة.

فحالة عدم الاتزان الاقتصادي التي مررنا بها، صنعت ظواهر سلبية في السوق يجب الالتفات إليها وإنهاؤها بشكل أو بآخر في القريب العاجل رغم تحييدها لحد كبير بعد تحسن الأوضاع الاقتصادية، إذ إنها ما زالت تتنفس، ويجب خنقها نهائيًّا بأدوار رقابية شديدة، وبممارسات توعية تشكل وعيًا جمعيًّا مستدامًا حتى لا تتكرر، “فرُبَّ ضارة نافعة”.

فالألغام يجب إزالتها قبل العبور في ممرات الإصلاح الاقتصادي، بحضور القواعد المنظمة وأيضًا انتصار المصلحة العامة على الخاصة، وكسر المواقف التي تصبح فيها الظواهر السلبية عادة و”شطارة”، وفزّاعة للمجتمع تخرج من حين لآخر، لاستخدامها في أغراض تجارية تصل إلى حد التآمر..

وذلك لإعادة انضباط السوق على أسس سليمة يحكمه العرض والطلب مع بيئة آمنة للأعمال ومستدامة في التوقيت نفسه، بما يضمن لمسارات العمل الشرعية بالنمو وصناعة هوية اقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات، ووقف شتى أشكال الفوضى والعشوائية والتي لا تستفيد منها إلا قلة من المحتكرين معدومي الضمير، وذلك حتى نضمن استدامة تحسن أداء نمو الاقتصاد الكلي مدفوعًا بمرونة سوق العمل وزيادة الإنتاجية وانضباط ممارسات التوزيع والتجارة والتصدير.

أبرز هذه الظواهر يمكن أن نطلق عليه ظاهرة الـ»إن بوكس»، وهو مصطلح مستنبط من لغة وسائل التواصل الاجتماعي، يقابله جميعنا عند السؤال على سعر سلعة محددة، سواء كانت وحدة سكنية أو سيارة أو سلعة على شبكة الإنترنت، حيث يوجد آلاف المنتجات التي تغازلك، وتحتاج، لمعرفة سعرها، إلى التواصل مع صاحب المنشور بشكل مباشر.

لكن الغريب أننا نواجه هذه الظاهرة في الحياة الواقعية بمجهولية عدم معرفة سعر العديد من السلع في الكثير من المعارض، خاصة في مجال السيارات والأجهزة المُعمّرة ومواد البناء وغيرها، كأن السعر سرٌّ لا ينبغي معرفته بورقة تكشف الأسعار ويسهل الاطلاع عليها بما يتوافق مع القانون وسياسات التجارة، والتبرير لدى القائمين على هذه المعارض لا يخرج من أنه ينتظر قرار الإدارة، أو أن الأسعار ما زالت تتغير بين حين وآخر، أو التحدث لك بشكل شخصي بعيدًا عن زبائن آخرين بلغة سعرية تتكيف مع كل “زبون” على حسب هيئته أو طريقة حديثه أو حتى بدرجة احتياجه للسلعة.

والمضحك المبكي أن داخل هذا “البوكس” الذي تندفع إليه، أسعار متنوعة وفجة في بعض الأحيان ومفاجآت تشبه “طاقية” الحاوي في الحياة الواقعية، تعارض ما قالته الحكومة من انخفاضات في الأسعار ومتمسكة بالأسعار القديمة، لأهداف يتمثل معظمها في أن الانخفاض شائعات وأن الأسعار سترتفع مجددًا.

وهو ما يحتاج معه لفرض كلمة الحكومة والقانون المنظم للعمل التجاري، سواء على أرض الواقع أو على شبكات الإنترنت، كما يجب إلزام المصانع بوضع الأسعار على السلع قبل نزولها في الأسواق، وذلك لضبط الأسعار ومنع استغلال المواطنين، إلى جانب إنفاذ قانون حماية المستهلك الذي ينص في المادة 7 منه على أنه يجب على المورد أن يعلن أسعار السلع أو الخدمات التي يعرضها أو يقدمها، بشكل واضح، وذلك ليتضمن السعر ما يفرضه القانون من ضرائب أو أي فرائض مالية أخرى، ويكون ذلك وفقًا للضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

وحدد غرامة تصل إلى 500 ألف جنيه وفقًا للمادة 64 من القانون التي نصت على أنه في حال عدم وضع الأسعار على المنتجات يعاقب الفاعل بغرامة مالية لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تزيد على 500 ألف أو مثل قيمة المنتج.

ثاني هذه الظواهر، الـ”أوفر برايس” الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا ببيع الوحدات السكنية بشكل خاص في البداية من جانب حائزي الوحدات بنظام التقسيط، كإجراء طبيعي مرتبط بتوقيت سعر شراء الوحدة وما ترتب عليه من ارتفاع مستوى التضخم أو ارتفاع المميزات النسبية للوحدة نفسها من حيث نسبة الإنشاءات وافتتاح خدمات بجانبها وغيرها من المؤثرات، حتى وصلت لقطاع السيارات والسلع من الوكلاء والموزعين بمنطق عدم استقرار العملة وغيرها من المبررات الواهية التي لا تصلح في التوقيت الحالي، في ظل حجم الإفراجات الجمركية الكبير، وتوافر المواد الخام للمصانع بنسبة مقبولة تتلاءم وحجم الطلب في السوق المحلية..

وهو ما دفع إلى انتقالها لمجالات عديدة في الفترة الأخيرة لم نكن نسمع بها من قبل، كقطاع الدواء، الذي شهد أيضًا هذه الممارسة الفجة، وللأسف تورط فيها بعض المحسوبين على قطاع الصيدلة بالتعامل مع مخازن أدوية والتفاوض معها بشكل مباشر للحصول على بعض الأدوية بأسعار محملة بـ”أوفر برايس”، لتوفيرها للمريض الذي لا يملك حق الرفض، خاصة أن معظم هذه الأدوية مرتبط بأمراض مزمنة ويتناولها المريض يوميًّا..

وهو ما يتطلب من الشركات المنتجة وأيضًا الكيانات الموزعة المعتمدة، العمل على إعادة انضباط عملياتها التجارية والتشغيلية بما يتلاءم مع الأوضاع الحالية، ومراقبة تحركات منتجاتها من حيث الحجم والتوزيع وعمليات البيع عبر أدوات تكنولوجية تمكنها من تتبع مسارات العمل، لضمان الوصول الآمن للمنتجات بالسعر المنصوص عليه والتشغيلية الخاصة بكل منتج، وأن تعمل أيضًا الأجهزة الرقابية مع الهيئات التنظيمية على تجفيف المشكلة من المنبع، وأقصد هنا وضع آليات عمل وإجراءات تنظيمية لا يمكن الخروج عليها، وقراءة ما حدث خلال الفترة الماضية من ممارسات سلبية لوضع رؤى أوسع وأشمل لطبيعة الأسواق وتناقضات العديد من التجار الذين لا تصلح معهم النيات الطبية.

أيضًا ظاهرة الشركات الوهمية، التي تفشت كالهشيم في مجالات عدة، كالعقارات والأجهزة المنزلية والمكملات الغذائية والسيارات وغيرها، ووجدت نافذتها عبر منصات التواصل الاجتماعي لتسهيل أعمالها عبر حملات دعائية ممنهجة لجذب “الزبائن”، واستغلال قواعد البيانات والذكاء الاصطناعي الذي توفره هذه المنصات، لمخاطبة مشاعر ورغبات قطاعات عريضة من المجتمع..

فالأبواب كلها مفتوحة، مع تتبع عمليات البحث الإلكتروني التي يجريها الأفراد على بعض المنتجات، لمخاطبتهم بشكل مباشر بإعلانات وحملات تستهدف حساباتهم على منصات الـ»سوشيال ميديا”، وأيضًا مكالمات على هواتفهم المحمولة..

وهذه الشركات لا تخضع لأي جهات تنظيمية أو قوانين حاكمة تقود ممارساتها التجارية والمالية في الأسواق، وبالتأكيد لا تراعي أي معايير للسلامة أو الجودة، بل هي أقرب لعمليات نصب خفية يتعرض لها الكثير من الأفراد وعلى المستويات الطبقية كافة، إذ إنه بنموها الشيطاني انتقلت أيضًا لمراحل أخرى عن طريق توظيف الأموال في هذه الشركات بالمخالفة للقانون، باختلاف تخصصاتها سواء استثمارًا عقاريًّا أوطبيًّا أو عمليات استيراد، ففكرة توظيف الأموال ليست بظاهرة جديدة على المجتمع المصري، لكنها ظاهرة متجددة تنتقل من مكان إلى آخر وبصور مختلفة، حسب البيئة المناسبة التي تستطيع من خلالها ممارسة هذا النشاط.

ظاهرة «المؤثرين» على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت أيضًا إحدى الظواهر التي نمت بشكل قياسي وتغذت على الأزمة، وكانت للعديد منهم أدوار سلبية سواء في الترويج لمنتجات رديئة أو حتى اللعب على غريزة المستهلكين في عمليات الشراء مع تخويفهم المستمر بالتضخم وتوجيههم نحو التخزين، وشراء سلع لا تحتفظ بقيمتها وتخزينها بغرض التحوط من تراجع القوى الشرائية للعملة المحلية، ما ساهم في الضغط على الأسواق وشح المنتجات، كأن السوق كانت تمتلك هذه الرفاهية في أوضاع كان يحكمها التخزين من جانب التجار في قطاعات استهلاكية عديدة..

إذ يتمثل دور هؤلاء المؤثرين في تسويق السلع والخدمات ومنتجات الشركات مقابل مدفوعات أو هدايا، والتي يركز فيها «المؤثر» على كيفية تسويق المنتج والحصول على الأموال فحسب، دون النظر إلى جودة الخدمة أو المنتج أو ما إذا كان المنتج ضارًّا من عدمه، فالحاكم الوحيد للمؤثرين هو الربح..

ولمواجهة هذه الظاهرة فإنه من الضروري تشكيل ونشر وعي مجتمعي من قِبل الجهات والمنظمات المختصة ووسائل الإعلام المختلفة بخطورة هذه الظواهر، سواء على الأفراد أو الاقتصاد، والتوجيه بعدم الاندفاع وراء المؤثرين في عمليات الشراء، خاصة السلع غير الضرورية التي تشكل عبئًا على كاهل المواطن والدولة.

أيضًا ظاهرة وعمليات النصب الإلكترونية والتي ازدادت بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة، والتي تعتمد على إغراء الضحايا بالعائد المادي الكبير لجمع أكبر قدر من الضحايا، ويفاجأ الجميع باختفاء هؤلاء المجرمين وغلق تلك الحسابات الوهمية، إذ تتعدد أشكال النصب الإلكتروني في السوق المصرية، ولعل آخرها كان ما يعرف بقضية «الكوبونات» التي تغري العملاء بالحصول على خصومات كبيرة من خلال كوبونات الخصم المباشر، وجمع الأموال من مجموعة من الأشخاص والاستيلاء عليها.

كما ظهرت منصات لجمع الأموال بطريقة مخالفة للقانون عبر تطبيق إلكتروني يسمى «هوج بول» والاستيلاء عليها، والتي تعد واحدة من المنصات التي يتم إنشاء مجموعة معينة من العملات الرقمية عليها، ويتم ذلك من خلال خدمات التعدين الحسابي، التقنية التي تمكنك من تعدين عملة البتكوين الرقميّة، التي توفرها المنصة للمستخدمين.

ورغم التحذيرات الدائمة من الجهات الرقابية والبنك المركزي المصري وحظره التعامل في العملات المشفرة وما يشبهها في مصر، فإن هناك شريحة كبيرة من المواطنين تسعى إلى الربح السريع والمخاطرة بأموالهم، ما يعرضهم للنهب والنصب الإلكتروني.

هذه الظواهر وغيرها والتي تحتاج لسلسلة مقالات، تحتاج منا إلى أفق اقتصادي متكامل يستوعب تجربتنا وممارستنا على الأرض جنبًا إلى جنب، مع برنامج الإصلاح الاقتصادي، فالأسواق هي الحكم في تقييم السياسات، والمسرح الذي يظهر جودة السيناريو والإخراج!

ظهرت المقالة دينا عبد الفتاح تكتب: «إنبوكس» و«أوفر برايس» وأشياء أخرى! أولاً على أموال الغد.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق